‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات اجتماعية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات اجتماعية. إظهار كافة الرسائل

12 يناير 2011

التصنيف داء خطير


عندما يحتدم النقاش وتعلو الأصوات دفاعا عن وجهات النظر ، ويفقد الإنسان الحجة والقدرة على الإقناع بالمنطق والعقل والحقائق الدامغة ، يلجأ إلى ( حيلة لاشعورية ) تسمى  ( التصنيف ) ، فتجده يقول : ولكن فلان إسلامي أو ليبرالي أو من ذاك التجمع أو التكتل ، محاولا الضرب تحت الحزام ، هذا على المستوى السياسي ، أما على المستويات الأخرى فحدث ولا حرج.
فعلى المستوى المناطقي ، تجد التصنيف : داخل السور وخارج السور ، أو ( عيال بطنها واللفو ) ، وعلى المستوى المذهبي ، تجد التصنيف : سني سلفي ، سني إخواني ، صوفي ، شيعي من حزب الله ، شيعي من حزب الدعوة .
أما على المستوى الاجتماعي ، فكلنا يعرف التصنيف المشهور : ( هذا أصيل ، وهذا بيسري ) !! ، وهناك تصنيف آخر مبني على اللهجة  : بدوي وحضري ، وآخر منطلقه أصل الانتماء ، فتجدنا نقول على فلان أنه : نجدي ، أو عراقي ، أو حساوي ، أو اعجمي ( عيمي ) !!
من التصنيفات الأخيرة والطارئة على مجتمعنا ، وأعتقد أنها غير موجودة في مكان آخر في العالم ، لأنها من إبداعات الكويتيين : أندية التكتل ، وأندية المعايير !! والتي أدخلت مستقبل الرياضة الكويتية في نفق مظلم لولا عناية الله ثم تدخل حضرة صاحب السمو أمير البلاد مؤخرا.
لو جلست أعدد التصنيفات فلن أنتهي ، المشكلة تكمن في أن تلك التصنيفات أصبحت مثل (المساطر) التي نقيس بها من ندرجه تحتها ، فكل المندرجين تحت ( الحدسيين ) و ( السلفيين ) و( الليبراليين ) و (الشعبيين ) لهم صفات مشتركة وهذا غير صحيح ، ولو أخطأ أحدهم انسحب خطأه على الباقيين .
لو أخطأ شخص من تصنيف معين  قبل أيام أو سنوات أو عقود أو أجيال أو قرون حتى ، فإن لعنة تلك الخطيئة تلاحق من يندرج تحت ذلك التصنيف إلى يوم الدين ، وكأنه كتب علينا أن نحمل أوزارنا وأوزار غيرنا !! الطامة الكبرى أن من صميم ثقافة التصنيف أن من ينتمي لفئة معينة يتحتم عليه الدفاع عن جميع المنتمين لها ولو كان على خطأ !!
الترقيات .. المناصب .. التقييم السنوي للموظفين .. عضوية المجالس الحكومية .. عضوية الشركات المساهمة .. الانتخابات الفرعية القبلية .. عضوية جمعيات النفع العام .. تخضع جبرا تحت طائلة تلك التصنيفات و ( المساطر ) !!   
" إن الله يأمر بالعدل " شعار يجب أن نرفعه في كل مكان وفي أي حوار ، فلا نحاسب شخصا على أخطاء غيره ، ولا نتعامل معه على أساس تصنيفه ، ولنكسر جميع ( المساطر ) التي تهدد أمننا وسلامة مجتمعنا ، ولنتعامل مع الإنسان كإنسان دون وضعه في إطار نتنبأ من خلاله طبيعة شخصيته ونمط تفكيره .
دعونا نتعلم مقارعة الحجة بالحجة ، والمنطق بالمنطق ، ولتكن ( الكويت ) وحبها تصنيفنا الوحيد لكل من يحمل الجنسية الكويتية ، لتكن ( مسطرتنا ) التي نستخدمها في الترقيات الوظيفية وتسكين المناصب الشاغرة والمهمات الرسمية ( الكفاءة ) ولا شيء غير ( الكفاءة ) .
إنني أقر بميزة من أسس الكويت وسكنها قبل النفط - سواء كانوا من داخل أو خارج السور ، حاضرة أو بادية - وقاتل من أجل بقائها عندما كانت بيئة صحراوية قاحلة طاردة ، فهؤلاء لا يستوون مع من جاء بعد ظهور النفط ، فحتى في زمن النبي – صلى الله عليه وسلم والصحابة ، كانت هناك ميزة خاصة لمن شارك في معركة بدر وكانوا يسمون بـ ( البدريين ) ، كما كان هناك تمييز بين من أسلم قبل الفتح ومن أسلم بعده قال تعالى في سورة الحديد : " وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) " ، فليس من المنطق ولا العقل أن نستخدم (الدستور) و(الجنسية) لإلغاء تلك الميزة .


أقول هذا الكلام مع التنبيه أن ذلك لا يعني احتقار الآخر ، وسلب حقوقه والقفز على مؤهلاته ، لأننا جميعا كويتيون ونعيش في وطن جميل ، يستحق أن تتوحد ( مساطرنا ) من أجله ، مع الإقرار بحقوق الآخرين من خلال دستور ينظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم ، وبين المحكومين أنفسهم .


أما تصنيفي أنا شخصيا حتى يرتاح من يبحث عنه فأقول ( بالفم المليان ) :

أنا مسلم الديانة ، عربي النزعة ، كويتي الجنسية والهوى .

08 يناير 2011

قصة ( ليلى والذئب ) على لسان حفيده



يقول حفيد الذئب المفترى عليه :
كان جدي ذئبا لطيفا ووديعا ، عانى آخر عمره من أكل اللحوم ، فقرر أن يكون نباتيا ، أي أن يعيش على أكل الخضروات والفواكه فقط ، ووجبات ( الفيجي ) الجاهزة إذا توفرت .
 في الغابة كانت تعيش فتاة ( شريرة ) مع جدتها ، واسمها ليلى ، التي كانت تخرج كل يوم إلى الغابة وتقتلع الزهور وتدمر الحشائش ، التي كان يقتات عليها جدي ، وقد حاول أكثر من مرة منعها من تكرار تلك الأفعال بالتي هي أحسن ، ولكن ليلى ( الشريرة ) أعطت لجدي الذئب الوديع ظهرها ، ولم ترحم نداءاته المتكررة للحفاظ على المسطحات الخضراء .
استمرت ليلى ( الشريرة ) في العناد ، وتخريب حشائش الغابة إمعانا في الإضرار بجدي المسكين ، فقرر وقتها الذهاب إلى جدتها ، لينقل لها وجهة نظره بشأن أفعال حفيدتها (الشريرة) التي لا تحترم من هم أكبر منها سنا ، وأكثر منها خبرة وتجربة في الحياة .
المهم .. وبعد أن طرق جدي الذئب الوديع باب جدة ليلى ، سلم عليها وتجاذب معها أطراف الحديث ، ثم كلمها بشأن ليلى ( الشريرة ) ، وكيف أنها تقوم بأفعال من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة ، وطالبها بأن تتدخل بحزم لتتوقف ليلى عن تلك الأفعال غير المسئولة .
ولكن للأسف .. كانت الجدة ( شريرة ) أكثر من حفيدتها ، ورفعت العصا في وجه جدي الذئب الوديع الطيب ، تريد ضربه وإخراجه من البيت ، وهنا لم يملك جدي إلا أن يدافع عن نفسه ، وصدقوني هو لم يقم بأي فعل سوى أنه دافع عن نفسه من بطش تلك الجدة (الشريرة) ، فقد أرادت أن تحطم رأسه ، فقاومها بكل لطف ، محاولا تجنيب نفسه ضرباتها الموجعة ، فدفعها بيديه فقط ، صدقوني بيديه فقط ، فسقطت جدة ليلى على الأرض ، وارتطم رأسها في السرير ، فتمددت على الأرض ، دون حراك .
وهنا تملك الخوف قلب جدي وازداد خفقانه (ولا يزال الكلام على لسان حفيد الذئب المفترى عليه) ،  وأخذ يفكر بمستقبل ليلى ، وكيف سترى حال جدتها وهي ممددة على الأرض ، فقرر أن وضع الجدة تحت السرير ، والنوم مكانها بعد أن لبس لباسها .
وعندما وصلت ليلى ( الشريرة ) بيت جدتها ، لاحظت تغيرا في صوت جدتها ، كما أن أنفها وأذناها أصبحا أكثر طولا ، فدخل الشك قلبها ، وهرعت إلى الباب مسرعة ، وأخذت تلكم ( الشريرة ) تنشر الإشاعات الكاذبة والملفقة ( زروا وبهتانا ) عن جدي الذب الوديع ، بأنه أراد أن يأكلها ، بعد أن أكل جدتها !!
انتهت القصة على لسان حفيد الذئب المفترى عليه ، هل رأيتم كم كنا أغبياء عندما صدقنا ما قالته لنا ليلى ( الشريرة ) ، واتهمنا ( الذئب ) الوديع اللطيف دون دليل أو برهان ، لك الله يا ذئب ، ولا تلتفت إلى الوراء ، فالحقيقة لا بد أن تظهر يوما ما ، وإن زيفها أهل الباطل.
* ملاحظة : هذه القصة وصلتني بالواتس أب باللهجة الكويتية ، فتحملت كثيرا كي أطورها إلى الفصحى المخففة ، وما فعلت ذلك إلا دفعا لتزييف الحقائق ، الذي يمارسه إعلام فاسد ، يتهم ذئبا ( بريئا ) ، ويبرئ ساحة ليلى ( الشريرة ) .


* ملاحظة ثانية : بعد نشر المقال في جريدة الراي اتصل بي صديقي الدكتور مصطفى أبوالسعد ليبلغني بأنه هو مؤلف القصة ، لذا لزم التنويه .

05 يناير 2011

التاريخ يعيد نفسه ... صدق العلامة ابن خلدون ورب الكعبة




جاء في الجزء الثاني من كتاب مقدمة ابن خلدون : " لقد يقع في الدول اضطراب في المراتب من أهل هذا الخلق ( يقصد به الأنفة والاعتزاز بالنفس ) ، ويرتفع فيها كثير من السفلة وينزل كثير من العلية بسبب ذلك‏ ، وذلك أن الدول إذا بلغت نهايتها من التغلب والاستيلاء انفرد منها منبت الملك بملكهم و سلطانهم ، ويئس من سواهم من ذلك ،‏ وإنما صاروا في مراتب دون مرتبة الملك وتحت يد السلطان و كأنهم خولٌ له ( أي أعوان وخدم ) .
فإذا استمرت الدولة وشمخ الملك تساوى حينئذ في المنزلة عند السلطان كل من انتمى إلى خدمته وتقرب إليه بنصيحته واصطنعه السلطان لغنائه في كثير من مهماته ،‏ فتجد كثيرا من السوقة يسعى في التقرب من السلطان بجده و نصحه ، ويتزلف إليه بوجوه خدمته و يستعين على ذلك بعظيم من الخضوع والتملق له ولحاشيته وأهل نسبه‏ ، حتى ترسخ قدمه معهم ، وينظمه السلطان في جملته ، فيحصل له بذلك حظ عظيم من السعادة ، وينتظم في عدد أهل الدولة ‏.‏
وناشئة الدولة حينئذ من أبناء قومها الذين ذللوا صعابها ، ومهدوا أكنافها مغترين بما كان لآبائهم في ذلك من الآثار ، وتشمخ به نفوسهم على السلطان ويعتدون بآثاره ، ويجرون في مضمار الدالّة بسببه ، فيمقتهم السلطان لذلك و يباعدهم‏ ،‏ ويميل إلى هؤلاء المصطنعين الذين لا يعتدون بقديم ولا يذهبون إلى دالة ولا ترفع‏ ، إنما دأبهم الخضوع له والتملّق والاعتمال في غرضه متى ذهب إليه ، فيتسع جاههم وتعلو منازلهم ، وتنصرف إليهم الوجوه‏ والخواص بما يحصل لهم من ميل السلطان والمكانة عنده .
ويبقى ناشئة الدولة فيما هم فيه من الترفع والاعتداد بالقديم لا يزيدهم ذلك إلا بعدا من السلطان ومقتا ، وإيثارا لهؤلاء المصطنعين عليهم إلى أن تنقرض الدولة‏ ،‏ وهذا أمر طبيعي في الدول‏ ، ومنه جاء شأن المصطنعين في الغالب‏‏ و الله سبحانه وتعالى أعلم و به التوفيق لا رب سواه‏ " هكذا قال ابن خلدون ، ولربما أعاد التاريخ نفسه .‏ ‏
من الحكم الفرنسية : اعلم أن كل متملق يعيش على حساب من يصغي إليه .
وقال الشاعر علي بن مقرب :
لا تركنن إلى من لا وفاء له *** الذئب من طبعه إن يقتدر يثب 

04 يناير 2011

وزارة الداخلية وروح الدعابة


لم أكن أعلم أن قيادات وزارة الداخلية تملك روح الدعابة إلى هذا المستوى ، حتى تابعت المؤتمر الصحفي الأول والذي عقد بعد أحداث ندوة الثامن من ديسمبر في ديوان الحربش ، تبريرا لموقفها وأفعالها تجاه المواطنين العزل ، وخصوصا أفراد القوات الخاصة ومكافحة الشغب .
أحدهم يقول أن إصابات بعض المواطنين كانت نتيجة لتدافع المواطنين وسقوطهم من الرصيف ، ولِمَ كان التدافع ؟ أليس بسبب الهجوم المباغت للقوات الخاصة عليهم واستعمال القوة معهم ، استنادا على قانون ملغي بموجب المحكمة الدستورية ؟! 
آخر يقول أننا كوزارة داخلية لم نستعمل : القنابل المسيلة للدموع ، والطلقات المطاطية ، والرصاص الصوتي في الهواء ، كما يستعمل في الدول الأخرى ، وذلك احتراما لكبار السن ، وحتى لا يفزع الناس في المنطقة المحيطة لمكان الندوة ، فقط استعملنا الهراوات والمطاعات لتفريق الجموع ، فقط الهراوات !! ليش والهراوات شوية أمام مواطنين عزل ؟ وما السبب ؟!
ثالث يؤكد أن المواطنين المحتشدين في الندوة هم الذين بدؤوا بالتحرش في أفراد القوات الخاصة ، عندما تلفظوا عليهم بألفاظ نابية ، ورموهم بالطفايات ، فما كان من القوات الخاصة إلا الدفاع عن أنفسهم ! طيب واقتحامهم حرمة البيوت المحمية بنص الدستور ، والمثبتة بالصوت والصورة بم تفسرها لنا يا حضرة الضابط ؟!
لربما كنت سأصدق ما جاء في المؤتمر الصحفي لبعض قيادات وزارة الداخلية لو كنا في غير هذا العصر ، حيث الهواتف الذكية بكاميراتها الرقمية التي تنقل كل شيء بالصوت والصورة في وقت الحدث ، من خلال التويتر والواتساب والمنتديات واليوتيوب .
أكثر ما أضحكني في المؤتمر الصحفي هو استعانة الوزارة بما تم تصويره من خلال قناة الجزيرة وقناة الراي ، واجتزاء مقطع قصير جدا يظهر شيئا طائرا من جهة جمهور الندوة باتجاه القوات الخاصة ، لإيصال رسالة مفادها أن الناس هم من بدأ بالتعدي على قوات الأمن وليس العكس ، وأعتقد أن وزارة الدخلية تملك تصويرا خاصا بها في مثل هذه الظروف ، وفي الصور المنشورة وخاصة تلك التي يجر فيها الخبير الدستوري الدكتور عبيد الوسمي من رجله ويضرب بالهراوات على رأسه وظهره ، يظهر رجل مدني يمسك بكاميرة فيديو دون أن يعترضه أحد ، فلم لم يستعن المؤتمرون بما تحمله تلك الكاميرة من مشاهد مشرفة لهم بكل تأكيد .
كما كنت أتمنى ألا يتحجج الضباط المؤتمرون بتوجيهات حضرة صاحب السمو لتبرير ضرب المواطنين العزل ، وعلى رأسهم ممثلي الأمة ، فحضرة صاحب السمو لم ولن يأمر بضرب المواطنين ، فهو والد الجميع ، ورأس السلطات الثلاث ، فلا تبرروا فعلتكم بضرب المواطنين العزل وإهانة كرامة الأمة ، بتفسيركم وفهمكم الخاطئ لتوجيهات حضرة صاحب السمو أميرا البلاد بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء .
الحكومة ممثلة في وزارة الداخلية ، وبعد هذه الأحداث المؤلمة التي أهانت فيها كرامة الأمة ، مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالاستقالة الفورية ، فقد انتُهِك الدستور أمام كاميرات القنوات الفضائية المحلية والعالمية ، ومع ذلك يخرج لنا كبار ضباط وزارة الداخلية في مؤتمر صحفي ومن خلال شاشة الإعلام الرسمي ، ليكشفوا لنا كم كان أولئك الضباط أبرياء وهم يضربون بالهراوات والمطاعات شعبا أعزلا ، ذنبه الوحيد أنه مارس حرية التعبير عن رأيه ضمن ما يسمح به القانون .
لا أقول إلا لك الله يا كويت .

الزبرقان وحطيئة الزمان


اشتكى أحد سادات بني تميم وهو الزبرقان بن بدر للخليفة الثاني عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أن الحطيئة هجاه بأبيات منها :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها *** واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
وعندما سمعها عمر قال للزبرقان : ما أسمع هجاءً ولكنه عتاب ولا أرى به بأسا ، المهم أن الزبرقان شاعر متمرس ويعرف المعاني المدفونة في الهجاء ، ويعلم يقينا ما تعنيه تلك المعاني من التشهير به لو اشتهرت على ألسن الناس ، وخصوصا أن الشعر كان يعتبر القناة الإعلامية الأقوى في ذلك الزمان ، ولربما كانت الوحيدة في تلك العصور ، فهو الصحيفة اليومية وهو الإذاعة وهو القناة الفضائية وهو موقع الانترنت ، كل ذلك في قالب إعلامي واحد .
وتحت إصرار الزبرقان على موقفه أن تلك الأبيات تتضمن هجاءا ، استعان عمر بحسان بن ثابت - رضي الله عنه - لخبرته بمعاني الشعر ، فأصدر حسان رأيه المحايد في الأمر قائلا : لم يهجه ولكنه سلح عليه ( أي بال عليه ) ، وبلغة عصرنا فقد مسح فيه البلاط ، وفرك خشته بالأرض ، بأسلوب فيه من التورية والإيحاء ما فيه .
الغريب أن الزبرقان بن بدر كان قد أكرم الحطيئة وجعله جاره ، ولكن أحد خصوم الزبرقان أغرى الحطيئة بأن يلحق به ويهجو خصومه ، و الحطيئة كشاعر مرتزق مأجور كحال بعض كتاب الصحف وبعض القنوات الإعلامية يلهث وراء من يدفع أكثر ، دون اعتبار لكرامات الناس ، أو اعتبارات الجيرة والعشرة أو حسن الخلق .
تروي كتب الأدب أن الحطيئة كان بذيء اللسان ، رقيق الدين ، وتلك الأخلاق ليست بغريبة عليه ، ولست أستغربها من أمثاله في كل زمان ومكان ، فهو دعي فى نسبه ، وكان سفيها حاقدا على المجتمع ، حتى وصلت به الحال أن هجى نفسه بعد هجائه لزوجته وأمه وأبيه عندما قال ذات يوم :
أبت شفتاي اليوم إلا تكلما *** بسوء فما أدري لمن أنا قائله
أرى لي وجها قبح الله خلقه *** فقبح من وجه وقبح حامله !!
قال الإمام الشافعي :
إذا نطق السفيه فلا تجبه *** وخير من إجابته السكوت
فإن كلمته فرجت عنه *** وإن خليته كمدا يموت